سبب نهی عمر عن المتعة فی أواخر خلافته‏ فی مصادر مدرسة الخلفاء
ساعت ٧:٥۸ ‎ق.ظ روز سه‌شنبه ۱ آذر ۱۳٩٠   کلمات کلیدی: سبب نهی عمر عن المتعة فی أواخر خلافته ،لا أدری أقال: أمّها أو أختها أو أخاها وأمّها، ،هذا القول عن عمر من کان تحت منبره ،تزوّج مولّدة من مولّدات المدینة بشهادة امرأتین

فی صحیح مسلم والمصنف لعبد الرزاق ومسند أحمد وسنن البیهقی وغیرها واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: کنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقیق، الأیّام، على عهد رسول اللَّه (ص) وأبی بکر، حتى نهى عنه عمر، فی شأن عمرو بن حریث.

وفی لفظ مصنف ابن أبی شیبة عن عطاء عن جابر استمتعنا على عهد رسول اللَّه (ص) وأبی بکر وعمر، حتى إذا کان فی آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حریث بامرأة- سمّاها جابر فنسیتها- فحملت المرأة، فبلغ ذلک عمر، فدعاها فسألها، فقالت: نعم، قال: من أشهد؟ قال عطاء: لا أدری، قالت: امّی، أم ولیّها، قال: فهلّا غیرهما، قال: خشی أن یکون دغلًا ....

وفی روایة أُخرى قال جابر: قدم عمرو بن حریث من الکوفة فاستمتع بمولاة فاتی بها عمر وهی حبلى فسألها، فقالت: استمتع بی عمرو بن حریث، فسأله فأخبره بذلک أمراً ظاهراً، قال: فهلّا غیرها، فذلک حین نهى عنها.

وفی أُخرى عن محمّد بن الأسود بن خلف: انّ عمرو بن حوشب استمتع بجاریة بکر من بنی عامر بن لؤى، فحملت، فذکر ذلک لعمر؛ فسألها، فقالت: استمتع منها عمرو بن حوشب، فسأله فاعترف، فقال: من اشهدت؟- قال- لا أدری أقال: أمّها أو أختها أو أخاها وأمّها، فقام عمر على المنبر، فقال: ما بال رجال یعملون بالمتعة ولا یشهدون عدولًا ولم یبیّنها الّا حددته، قال: أخبرنی هذا القول عن عمر من کان تحت منبره، سمعه حین یقول، قال:

فتلقاه الناس منه.

وفی کنز العمال: عن أمّ عبد اللَّه إبنة أبی خیثمة: أنّ رجلًا قدم من الشام فنزل علیها فقال: إنّ العزبة قد اشتدّت علیّ فابغینی امرأة اتمتّع معها، قالت: فدللته على امرأة فشارطها واشهدوا على ذلک عدولًا، فمکث معها ما شاء اللَّه أن یمکث، ثمّ إنّه خرج، فأخبر بذلک عمر بن الخطاب، فأرسل إلیّ فسألنی أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدم فأْذنینی به، فلمّا قدم أخبرته فأرسل إلیه، فقال: ما حملک على الذی فعلته؟ قال: فعلته مع رسول‏ اللَّه (ص) ثمّ لم ینهانا عنه حتى قبضه اللَّه، ثمّ مع أبی بکر فلم ینهانا حتى قبضه اللَّه، ثمّ معک فلم تحدث لنا فیه نهیاً، فقال عمر: أما والذی نفسی بیده لو کنت تقدّمت فی نهی لرجمتک بیّنوا  حتى یعرف النکاح من السفاح.

وفی مصنف عبد الرزاق: عن عروة: أنّ ربیعة بن أمیّة بن خلف تزوّج مولّدة من مولّدات المدینة بشهادة امرأتین احداهما خولة بنت حکیم، وکانت امرأة صالحة، فلم یفجأهم إلّاالولیدة قد حملت، فذکرت ذلک خولة لعمر بن الخطاب، فقام یجرّ صنفة ردائه  من الغضب حتى صعد المنبر، فقال: إنّه بلغنی أنّ ربیعة بن أمیة تزوّج مولّدة من مولّدات المدینة بشهادة امرأتین، وانّی لو کنت تقدّمت فی هذا لرجمت.

وفی موطأ مالک وسنن البیهقی واللفظ للأوّل: انّ خولة بنت حکیم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إنّ ربیعة ابن أمیة استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر یجرّ رداءه، فقال: هذه المتعة، ولو کنت تقدّمت فیها لرجمت.

وفی الاصابة: أنّ سلمة بن أمیة استمتع من سلمى مولاة حکیم بن أمیّة بن الأوقص الأسلمی، فولدت له، فجحد ولدها، فبلغ ذلک عمر فنهى عن المتعة.

وفی المصنف لعبد الرزاق عن ابن عباس قال: لم یرع أمیر المؤمنین الّا أمّ أراکة قد خرجت حبلى، فسألها عمر عن حملها، فقالت: استمتع بی سلمة بن أمیّة بن خلف ....

وفی المصنّف لابن أبی شیبة عن العلاء بن المسیب عن أبیه قال: قال عمر: لو أتیت برجل تمتّع بامرأة لرجمته إن کان أحصن، فإن لم یکن أحصن ضربته.

***

 فی الروایات السابقة وجدنا الصحابة یقولون: إنّ آیة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» وردت فی نکاح المتعة، وأنّ رسول اللَّه أمر به وانّهم کانوا یستمتعون بالمرأة بالقبضة من التمر والدقیق على عهد رسول اللَّه وأبی بکر ونصف من خلافة عمر حتى نهى عنها فی شأن عمرو بن حریث، ووجدنا نکاح المتعة متفشیاً على عهد عمر قبل أن ینهى عنه، ولعلّه تدرّج فی تحریمه بدءاً من التشدید فی أمر شهود نکاح المتعة وطلب أن یشهده عدول المؤمنین کما یظهر ذلک من بعض الروایات السابقة، ثمّ نهیه عنه بتاتاً حتى قال: لو تقدّمت فی نهی لرجمت، وبعد هذا أصبح نکاح المتعة محرّماً فی المجتمع الإسلامی، وبقی الخلیفة مصرّاً على رأیه إلى آخر عهده لم یؤثر فیه نصح الناصحین.

فقد روى الطبری فی سیرة عمر عن عمران بن سوادة إنّه استأذن ودخل دار الخلیفة ثمّ قال: نصیحة.

فقال: مرحباً بالناصح غدوّاً وعشیّاً.

قال: عابت أُمتّک منک أربعاً.

قال: فوضع رأس درّته فی ذقنه ووضع أسفلها على‏ فخذه، ثمّ قال: هات:

قال: ذکروا أنّک حرّمت العمرة فی أشهر الحجّ، ولم یفعل ذلک رسول اللَّه ولا أبو بکر (رض)، وهی حلال.

قال: هی حلال، لو أنّهم اعتمروا فی أشهر الحجّ رأوها مجزیة من حجّهم فکانت قائبة قوب عامها فقرع حجّهم وهو بهاء من بهاء اللَّه وقد أصبت.

قال: ذکروا أنّک حرّمت متعة النساء، وقد کانت رخصة من اللَّه نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.

قال: إنّ رسول اللَّه (ص) أحلّها فی زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة ثمّ لم أعلم أحداً من المسلمین عمل بها ولا عاد إلیها، فالآن من شاء نکح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت ...

*** انّ ما اعتذر به عمر فی تحریمه متعة الحج: بأنّهم لو اعتمروا فی أشهر الحج لرأوها مجزیة عن حجّهم، لا یصدق على نهیه عن الجمع بین الحجّ والعمرة، وإنّما الصحیح ما اعتذر به فی حدیث آخر له: من انّ أهل مکة لا ضرع لهم ولا زرع، وانما ربیعهم فی من یفد إلى هذا البیت، إذن فلیأتوا إلى هذا البیت مرّتین، مرّة للحجّ المفرد، وأُخرى للعمرة المفردة، لیربح منهم قریش ارومة المهاجرین.

وأمّا اعتذاره فی تحریم نکاح المتعة: من أنّ عهد رسول اللَّه کان زمان ضرورة خلافاً لما کان علیه عهده، فإنّ جلّ الروایات التی صرّحت بوقوعها فی عصر رسول اللَّه وباذن منه ذکرت انّها کانت فی الغزوات وحال السفر، ولا فرق فی ذلک بین عهد رسول اللَّه وعهد عمر إلى زماننا الحاضر وإلى أبد الدهر.

فإنّ الإنسان لم یزل منذ أن وجد على ظهر هذا الکوکب- الأرض- ولا یزال بحاجة إلى السفر والاغتراب عن أهله أسابیع وشهوراً، بل وسنین طویلة أحیاناً، فإذا سافر الرجل ماذا یصنع بغریزة الجنس فی نفسه، هل یستطیع أن یترکها عند أهله حتى إذا عاد إلیهم عادت‏ غریزته إلیه فتصرف فیها مع زوجه، أم انّها معه لا تفارقه فی السفر والحضر. وإذا کانت غریزته غیر مفارقة إیّاه فهل یستطیع أن یتنکّر لها فی السفر ویستعصم، وإذا کان الشاذّ النادر فی البشر یستطیع أن یستعصم فهل الجمیع یستطیعون ذلک؟ أم أنّ الغالب منهم تقهره غریزته؟ وهذا الصنف الکثیر من البشر إذا طغت علیه غریزته فی المجتمع الذی یمنعه من التصرّف فی غریزته ویطلب منه أن یخالف فطرته وما تقتضیه طبیعته ماذا یفعل عند ذاک؟ وهل له سبیل غیر أن یخون ذلک المجتمع؟!

والإسلام الذی وضع حلًّا مناسباً لکلّ مشکلة من مشاکل الإنسان هل ترک هذه المشکلة بلا حلّ؟! لا. بل شرّع لحلّ هذه المشکلة: الزواج المؤقّت، ولولا نهی عمر عنها لما زنى إلّاشقیّ کما قاله الإمام علیّ علیه السلام، أمّا المجتمعات البشریة فقد وضعت لها حلًّا بتحلیل الزنا فی کلّ مکان.

ولا یقتصر الأمر فی ما ذکرنا على من یسافر من وطنه، فإنّ للبشر کثیراً من الحالات فی وطنه تمنعه الزواج الدائم أحیاناً، سواء فی ذلک الرجل والمرأة، فماذا یصنع إنسان لم یستطع من الزواج الدائم سنین کثیرة من عمره فی وطنه إن لم یلتجئ إلى الزواج المؤقّت، ماذا یصنع هذا الإنسان والقرآن یقول له: «وَلَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً» ویقول لها: «وَلَا متخذاتِ اخذانٍ»؟!

أمّا ما ذکره عمر فی مقام العلاج من تبدیل نکاح المتعة بالنکاح الدائم على أن یفارق عن ثلاث بالطلاق، فالأمر ینحصر فیه بین أمرین لا ثالث لهما، أمّا أن یقع ذلک بعلم من الزوجین وتراضٍ بینهما فهو الزواج المؤقّت أو نکاح المتعة بعینه، وأمّا أن یقع بتبییت نیّة من الزوج مع إخفائه عن الزوجة فهو غدر بالمرأة واستهانة بها بعد أن اتّفقا على النکاح الدائم واخفى المرء فی نفسه نیّة الفراق بعد ثلاث، وکیف یبقى اعتماد للمرأة وذویها على عقد الزواج الدائم مع هذا؟!

وأخیراً، فإنّه یرى بکلّ وضوح من هذه المحاورة ومن کلّ ما روی عن عمر من محاورات فی هذا الباب: أنّ کلّ تلک الروایات التی رویت عن رسول اللَّه فی تحریمه المتعتین ونهیه عنهما والتی حفلت بتدوینها أُمّهات کتب الحدیث‏ والتفسیر وُضعت بعد عصر عمر، فإنّ واحداً من الصحابة على عهد عمر لو کان عنده روایة عن رسول اللَّه تؤیّد سیاسة الخلیفة فی المتعتین والتی کان یجهر بها ویتهدّد على مخالفتها بقوله: وأُعاقب علیهما، لو کان واحداً من الصحابة على عهده عنده من رسول اللَّه شی‏ء یؤید هذه السیاسة لما احتاج إلى کتمانها عن الخلیفة ولنشرها، ولو کان الخلیفة فی کلّ تلک المدّة قد اطّلع على شی‏ء یؤیّد سیاسته لاستشهد به ولما احتاج إلى کلّ هذا العنف بالمسلمین.

هکذا انتهى عهد عمر، بعد أن کبت المعارضین لسیاسة حکمه وکتم أنفاسهم ومنعهم حتى من نقل حدیث الرسول کما أشرنا إلى ذلک فی فصل «فی حدیث الرسول»، واستمرّ الأمر على ذلک إلى ستّ سنوات من خلافة عثمان، وانتشر الأمر متدرّجاً بعد ذلک فنشأ جیل جدید لا یعرف من الإسلام الّا ما سمحت سیاسة الخلافة بنشره وبیانه کما سنعرفه فی ما یأتی:

                                                              الزواج الموقت فى الاسلام، ص: 31